المستشار سمير جاويد يكتب : فن إدارة دولة الأزمات

المستشار سمير جاويد

المستشار سمير جاويد

مصر تحتاج إلي آلية واضحة ومعلنة وقوية لإدارة الأزمات كي  تتعامل مع مشكلاتها.في وقت اعتاد فيه المصريون أن يعيشوا حياتهم في أزمات مرة مع أزمة بوتاجاز  وأخري في المواصلات أو رغيف العيش أو عند دخول المدارس والأعياد، واختفاء نوع من الأدوية المهمة. يضاف إلي ذلك أزمات الفتن والإثارة وافتعال الأزمات.لكن ما يحدث في مصر ألان جعلها دولة أزمات ولكن من نوع خاص، لأن الأزمات التي تمر بها مصر معظمها من صنع المصريين أنفسهم وبعضها بتحريض من الخارج سواء كان معلنا أو خافيا

تعاني  مصر من أزمات متعددة الجوانب اجتماعية و اقتصادية و سياسية وتحتاج الي تضافر كل الجهود للخروج من تلك الأزمات المتلاحقة.وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل  لنا أرضا خصبة للتأمل وأخذ الأسوة في معالجة الأمور وإدارة جميع ما يعن لنا من مصاعب وخطوب, فقد كانت له عليه السلام طريقة فريدة في إدارة الأزمات وفق حكمة سديدة، فقد كان عليه السلام بفطنته ينهي منازع الخلاف بشكل قاطع, مع حماية المجتمع الإسلامي من آثار الأزمة, بل يعمل على الاستفادة من الموقف الناتج عن الأزمة في الإصلاح والتطوير, واتخاذ إجراءات الوقاية لمنع تكرار الأزمة أو حدوث أزمات مشابهة لها

كان من رحمته أن يعيش مع الأزمات وأصحابها .. يأخذ بيد هذا .. ويعالج هذا .. ويصبر على هذه .. ينزع فتيل الأزمة حتى لا تنفجر في الجميع .. فكان على يده نجاة المجتمع بأكلمه من حرب واقفة على الأبواب .. يعلم صلى الله عليه وسلم كيف تكون حالة يعاني الإنسان في أزمته فتعامل بكل كيانه معها يساعد صاحبها ويحنو عليه حتى يخرج مما هو فيه ..الرسول مع أصحاب الأزمات وكم شعر النبي صلى الله عليه وسلم بأصحاب الأزمات وعاش معهم معاناتهم بل وبذل وسعه في اخراجهم من أزماتهم

ومن أهم الأزمات التي لا بد لكل بشر أن يقع فيها أزمة المرض ” .. ويقول : ” كان الرسول إذا سمع بمريض أسرع لعيادته في بيته، مع كثرة همومه ومشاغله، ولم تكن زيارته هذه مُتكلَفة أو اضطرارية، إنما كان يشعر بواجبه ناحية هذا المريض.. كيف لا، وهو الذي جعل زيارة المريض حقًّا من حقوقه؟!… قال رسول الله : “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ” متفق عليه حن نعيش فى عالم من الأزمات بعد ثورة 25.يناير. نحن لا نتحرك إلا بعد وقوع الكارثة ولو كان لدينا القدرة على توقع الأزمات والكوارث لحالت دون وقوعها لكن للأسف لا يوجد فى مصر نظام لتوقع الأزمات والكوارث أو جهاز إنذار مبكر لتوقع الأزمة أو الكارثة

نحن فى حاجة إلى إنشاء جهاز أو هيئة للإنذار المبكر من الأزمات إدارة الأزمات يحتاج إلى قرار من ذي خبرة وكذلك يحتاج إلى الرأي السديد والحكمة والشجاعة وهو كذلك بحاجة إلى تصرف سريع وحاسم والتخطيط الواضح لما قد يحدث والشيء المتوقع حدوثه والتنبؤ بالأزمات والمشاكل والمعضلات وبيان خطورتها وآثارها..لقد أصبحنا ندرك أننا في وهم ولم نقم بثورة.. ولهذا يجب أن يعاد إلينا حقيقة الثورة وواقعها.. وأنه لا وقت مطلقا للضياع.. فالحرب تلاحقنا.. والتآمر الداخلي والخارجي علي أشده.. ومصر والشعب المصري لن يرحم أحدا تقاعس عن نصرتها أو عن كشف المتربصين والمتآمرين بها.. لأن القادم يحمل من المفاجآت ما لا تحمد عقباه.. فليس من السهل أن يفرط هذا الشعب المسلم فيما أنجزه من ثورة قامت ودم أريق وتضحيات وخسائر كثيرة.. كل ذلك في سبيل كرامته وعزته ونهضته.. لهذا لن يكون هناك تهاون ولا تفريط فيما أنجزناه مطلقا.. وسيكون القرار الوحيد مواجهة الحرب مهما يكن الثمن حماية لمشروعنا وحلمنا الكبير

لو ان هناك إدارة حقيقية للازمات لنجحنا في حل مشكلات المرور علي سبيل المثال حيث  تصاب القاهرة يوميا بما يشبه الشلل نتيجة توقف حركة السير.لقد أصبحت الأزمات التي تشهدها مصر بشكل شبه يومي من تعطل قطارات وإضرابات فئوية ومزايدات سياسية وانتهاز فرص من أعداء مصر الذين يخشون منها أن تفيق لتتفرغ لمشروعاتها القومية وإعادة ترتيب أوراقها لتعود لمقعد الريادة في المنطقة

كل ذلك يدعونا بل يجعل من الضروري أن تعيد القيادة السياسية والحكومة ومراكز صنع القرار والمراكز البحثية والعلمية طريقة العمل، وإعداد سيناريوهات جاهزة لمواجهة الأزمات وإدارتها، وأعتقد أن مصر لديها من الخبراء والأساتذة في كل قطاع ليصبح لدينا في كل موقع علي أرض مصر إدارة متخصصة في مواجهة الأزمات. أن مصر تعاني من غياب الرؤية الواضحة في التعامل مع الأزمات رغم تكرارها، وأنه على كل الأطراف إعلاء مصلحة مصر على مصالحهم الخاصة. لم تعد الإضرابات في مصر مقتصرة على فئة بعينها، بل شملت أغلب القطاعات الإنتاجية والخدمية، في القطاع الحكومي والقطاع الخاص. فمارس الإضراب عمال المصانع، وموظفو الحكومة، والمدرسون، والأطباء، وغيرهم، تتركز مطالبهم برفع الرواتب وتحسين ظروف المعيشة..ولا يمضي يوم إلا وتعلن فئة من مواطني مصر عن تنظيم إضراب عن ممارسة العمل، أو تنظيم وقفة أو مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء.. وتتعدد مطالب المضربين بين الحصول على حقوق مادية ووظيفية، والمطالبة بإقالة فاسدين -من وجهة نظر المضربين- لا يزالون يديرون المؤسسات الحكومية. إلا أن هذه المطالب في النهاية لها تكلفة اقتصادية، سواء تلك المتمثلة في تعطيل العمل الإنتاجي أو الخدمي، أو شل حركة المرور، أو تكبيد الموازنة العامة بمطالب إضافية، كما حدث في كادر المدرسين والأطباء

نحن نفتقد إلى ثقافة إدارة الأزمات في مصر ولا يوجد لدينا منظومة متكاملة خاصة للتعامل في كل المشكلات التي تحدث في مصر بنظام رد الفعل، حيث تحدث المشكلة ثم نبحثها ونعمل على إيجاد حلول لها..مصر تحتاج لإدارة للأزمات المتكررة في مصر لاستيعاب المشكلات التى تحدث الآن، لابد من إنشاء هيئة قومية لإدارة الأزمات، يتم الاستعانة فيها بعلماء قادرين على توقع حدوث الأزمات المتتالية وإيجاد حلول لها، خاصة مع استمرار عدم استقرار الأوضاع، وظهور بوادر أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، إلا أنه حتى الآن، لم يتم التفكير فيها ولا أجد تفسيرا لذلك

أن تكرار الأخطاء في التعامل مع الأزمات المتكررة، ناتج عن عدم وجود سياسة واضحة بشكل عملي، ووجود حلول مؤقتة.مصر تحتاج الآن إلى هيئة قومية تستطيع تقديم رؤية واضحة عن المشكلات التي نمر بها، وتقديم حلول لها، وللمشكلات المتوقع حدوثها، وعلى الجهات المسئولة أن تتمتع بالشفافية والوضوح في مناقشة المشكلات، كل مسئول في موقعه عليه أن يبتكر لحل الأزمات بدلا من تراكمها وهو ما يجب أن يفكر فيه كل وزير ومسئول في الدولة المصرية خصوصاً أن الوضع أصبح يستدعي التعامل السريع والحاسم لإعادة التوازن وتمكين الدولة من فرض القانون وحماية الأمن العام الذي هو أساس كل نجاح..واتخاذ إجراءات عمل واضحة ومستديمة، وتوفر للتعامل معها الإمكانات بشكل فوري حتى لا تكون صداعاً يشغل كبار المسئولين عن أعمالهم الأكثر تعقيداً.ويتفرغوا لحل المهام الصعبة

لا بد أن يكون فريق الأزمة من القدرة والمعرفة والتمكن بحيث يستطيع أن يقدم جرداً لكل أزمة يمكن أن تقع في الدولة. …ولديه القدرة علي  تحديد مؤشرات حدوث الأزمة وتحديد أساليب التعامل مع الأزمة و حصر الأضرار والتعرف على الدروس المستفادة من الأزمة ووضعها ضمن برنامج إعادة تأهيل المديرين وتعديل الخطط بناءً على هذه المخرجات….ومن أجل نجاح الأزمة لا بد من تحلي فريق إدارة الأزمة وقيادته بخصائص متفردة في مقدمتها، التفكير الإبداعي بوضع سيناريوهات لحل الأزمة، وإجادة فن الحوار والحماس والالتزام، وكذلك لابد من توفر مقاييس جيدة للأخلاقيات الشخصية والرغبة في مساعدة الآخرين، والشجاعة والاستعداد للمجازفة مع الواقعية والحنكة، إضافة إلى خصائص أخرى تستعرضها الدراسة لتقديم إستراتيجية لإدارة الأزمات وفق منهج معاصر. السرعة في حل الأزمات تساعد في بناء الأمم والمجتمعات من عمليات الهدم أو البناء و المجتمعات التى تعتمد على فرق خاصة ذات كفاءة في التعامل مع الأزمات تصبح أقوى وأكثر قدرة على المرونة والاستمرار من قريناتها التي تنتهج أسلوب التصدي المرتجل والتعامل بطرق غير مدروسة سلفا مع بؤر الصراع والتوتر الأمر الذى يؤدى لضعفها وتفككها، فالأزمات ظاهرة ترافق سائر الأمم والمجتمعات في مراحل التطور والارتقاء أو حتى الانحدار

نشوء الأزمات يعود  لسوء التقدير والاحترام، وحب السيطرة، والمركزية الشديدة، وتعارض الأهداف والمصالح، بالإضافة الي عوامل إدارية تتمثل في سياسات مالية، مثل ارتفاع التكاليف وضعف الرقابة، وعجز التخطيط الفعال، واتخاذ القرارات بشكل عشوائي، إضافة لضعف أنظمة الحوافز الناجح، وأخيراً عدم توفر الوصف الوظيفي الجيد للمهام والواجبات…إن فكر إدارة الأزمات أصبح علم لابد أن يدرس ويزود به كل مسئول يدير منظومة عمل فى مؤسسات الدولة

تعالوا نحاول تعلم إدارة الأزمات  بدون تخريب ولا قتل تعالوا نصحح ما بأنفسنا فالله يقول: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾لقد كشف  القرآن  الكريم عن الوسائل وسبل العلاج ومواجهة هذه الأزمات.إنّ التّاريخ حافلٌ وزاخرٌ بالأزمات المشابهة التي عاشتها الأمم والشّعوب الأخرى، وحتماً سنجد من خلال القراءة التّاريخيّة،ما يساعدنا علي تجاوز الأزمة  لذلك يعتبر التّاريخ جزءاً مهمّاً من الثقافة الإنسانيّة والإيمانيّة في ضوء  القرآن  الكريم، بل تعتبر من الضروريات لحل الأزمات والقرآن الكريم بين لنا فى آياته الكريمة أنواع من الأزمات وبين كيفية مواجهتها إيجابا وسلبا.في إدارة الأزمة  بشكل صحيح سوف يكون سببا للقوة المعنوية والإيمانية،والصحة النفسية تعالوا نغير من طريقة تعاملنا مع الأزمة كل في محيط الأسرة والعمل والمجتمع إلي أخره ألقاكم  في المقال القادم بعد أن يحاول كل منا حل أزماته والوصول ألي حلول للقضاء علي الأزمات المعلقة

ارشيف 2013 المستشار سمير جاويد

المستشار سمير جاويد elarabielyoum.com